الإسلام دين الدولة
هنالك احزاب علمانية تطالب حالياً بإلغاء المادة المذكورة أعلاه من الدستور. وهي المادة الثانية في دساتير كثير من الدول الاسلامية. حجة هؤلاء بحكم علمانيتهم أن الدين مسألة شخصية ويجب فصله عن الدولة. فتثور ثورة الأغلبية سواء كانت متدينة أم لا. فتتهم الأوائل بمحاولة تغريب البلاد، بأنهم يخدمون المصالح الغربية التي حسب رأيهم همها الوحيد هو ضرب الاسلام كأن الدول الاسلامية تعيش إزدهاراً و رفاهية حسدت عليهما فما تهدأ هادئة لهم إلا بتحطيم ذلك الفردوس.
لو جلس الجميع دقيقة مثل دقيقة التفكير التي كانت تعطى في حصة بين الثانويات “تع عام جدي” لفهموا أن المادة الثانية لا تعني شيئاً. لكن في مواضيع الدين والهوية تغلب العاطفة العقل ويتحكم الشعار الأجوف في المحتوى.
أولاً تلك المادة جزء من الدستور، وما هو الدستور؟ أكان للخلفاء الراشدين دستور؟ هل تقيدت الدول الاسلامية التي تلتهم بشيء يشبه الدستور؟ طبعاً لا. القليل يعلم أن أول دستور كتب في بلد إسلامي كان في تونس أدخله خير الدين باشا أثناء القرن التاسع عشر. وخير الدين باشا مثل الأمير عبد القادر ومحمد علي في مصر من قبل من الذين أفاقوا بعد سبات طويل دام قرون ظانين أن الإسلام لا يزال يسيطر على العالم. . نظرة هؤلاء تكونت قبل الاستعمار الذي جاء من بعد فخلط الأوراق. وقتها كانت البلدان الاسلامية تحت حكم الشرع الإسلامي و مع ذلك انهارت بسهولة مذهلة. وإذ بجيوش جرارة اجتاحت بلدانهم كالطوفان بعد أن تحكمت بالفكر والعلم ليس فقط في ميدان النار والحديد ولكن في جميع المجالات و منها علم السياسة و الحكم ونظام الدولة. و في ظرف سنين سيطرت عليها كلياً فقام الحكام والأمراء بمحاولة بناء دول عصرية على منوال تلك التي اجتاحت أوطانهم بقوة. الموضوع طويل، لكن المهم هو أنهم أرادوا بناء دول حديثة أي نظم إدارية معقدة تحكم فيها قوانين مكتوبة وأولها الدستور القانون الأساسي الذي تقوم عليه الدولة.
إذن حجة التغريب في إلغاء مادة أو أخرى ساقطة لأن وجود دستور أصلاً هو غربي فبحكم هذا المنطق وجب الغائه كلياً .
بعد قرن ونصف سنت البلدان الإسلامية دساتير. وفي كل مرة كتب دستور جائت قضية موضع الإسلام إلى الواجهة. هنا يجب الملاحظة أن هذا الأمر ليس إستثناء إسلامي فالدول الغربية كذلك وجدت نفسها أمام نفس الاشكالية : ما هو مكان الدين في القانون؟ وإن كانت الأجوبة تختلف حسب الدول فإن في معظمها فصلت الدولة عن الدين وإن ذكر الدين فليس إلا كعنصر ثقافي من مكونات المجتمع وليس كمصدر تشريع.
وهنا نصل الى : “الاسلام دين الدولة” في دستور الجزائر. ونتسائل ما معنى ذلك؟ إذا قلت ”الاسلام دين فلان” فهذا معناه واضح : هذا الفلان يؤمن بالله ورسوله، يقيم الصلاة ويؤتي الزكاة، يصوم رمضان ويحج إن إستطاع إلى الحج سبيلا… أما الدولة التي هي نظام وليست شخص فكيف تصلي و تصوم ؟ هل معنى ذلك أن مصدر القانون هو الشرع الاسلامي؟ إن كان كذلك فلمذا لا تكتب الجملة واضحة : ” مصدر القانون هو الشرع الاسلامي”. المملكة السعودية تأرجحت طويلاً قبل أن تسن دستوراً وفي النهاية لم تسمه دستور بل “قانون أساسي” وفي المادة الأساسية من هذا القانون الأساسي كتب أن دستورالمملكة كتاب الله وسنة رسوله. هذا واضح وضوح الشمس وله تبعات في القوانين، إقامة الحدود على السارق ،الزاني والقاتل والتوابع شتى لا تحصى.
أما عندنا ماذا يدافع عنه من يدافع عن المادة الثانية؟ إنه يدافع عن شعار أجوف. دستور الجزائر علماني أصلاً يكرس الشعب كمصدر لأي سلطة (وإن لم يطبق على أرض الواقع ). فيه دماء شهداء حرب التحرير ومبادئ أول نوفمبر تتنافس في القدسية مع الإسلام. تلك المادة جعلت هناك بدون معنى واضح أو آلية قانونية تعطيها محتوى على أرض الواقع إلا كشعار يوهم من أراد أن يعيش في أوهام. الجزائر دولة يحكم فيها القضاء بإسم الشعب وفقاً لقانون وضعي إلا في مجال الأسرة . أما بالنسبة للسلطة فتلك المادة الجوفاء لها وظيفة سياسية واضحة. بما أن الدولة دينها الاسلام فهي التي تنظم شعائره، تمويل المساجد، تعيين الأئمة، اعطائهم خطب يقرأونها إلخ… أي أن الدولة تحمي نفسها من ترك المساجد إلى أي منافس خصوصاً بعد تجربتها مع الفيس.
شخصياً لا أريد أن يحول دستور الجزائر الى دستور السعودية وهذا ليس له دخل مع الغرب أو الشرق. لو كان الغرب همه هو أن يحارب الإسلام لهاجم الدولة التي جعلت من القرآن والسنة دستورها لكن بالعكس فهي من أعز وأحب حلفائه. الغرب تهمه مصالحه إذا لم تكن في خطر فلا يكترث أنك تحول وجهك للغرب أو الشرق أو أنك تسمح لنسائك أن تسوق السيارات أم لا.
السؤال دائماً يبقى : ما هي مسؤليتنا نحن في مجتمعاتنا؟ وإن شاءت الشعوب الإسلامية أن تجعل من القرآن والسنة دستوراً أي ترجع الى قرن ونصف من قبل وتنتظر المعجزة التي تخرجها من المشاكل والأزمات التي تتخبط فيها فلا بأس. تلك هي أحسن وسيلة لترى أن زمن المعجزات قد ولى.
لا أريد أن أطيل الحديث هنا خاصة بعد النقاش الذي جمعك بشخص آخرفي مكان آخر حول هذا الموضوع.
بالأمس فقط قرأت مقالاً يتساءل فيه كاتبه عن مكانة الدستور الأمريكي في الولايات المتحدة، و ابتسمت حين وجدتني أفكر في دستورنا وقيمته في الجزائر. تذكرت بوتفليقة وتغييره للدستور، و كذا اويحيى و سؤاله الأحزاب أن يحترموا مواده و أن يحافظوا عليها. إذن قبل الحديث عن المادة 2 و ما تعنيه أو لا تعنيه يجب أن نحدد مكانة هذه الوثيقة و معناها. قصدي من هذا أن موضوعك حول العلمانيين و خصومهم في الجزائر قد لا ينفع ما دمت تربطه بالمادة 2 خاصة أنك قلت، وأوافقك الرأي، أن لها “وظيفة سياسية واضحة”.
في الأخير أود أن ألفت انتباهك إلى ما توحي به جملك الأخيرة، و كأنك تربط العودة للقرآن بالعودة للتخلف (الذي لم نخرج منه بعد)، و بالإيمان بأن الحل لا يكون إلا بمعجزة (أي لا نعمل بل ننتظر). و كذلك جملتك “وقتها كانت البلدان الاسلامية تحت حكم الشرع الإسلامي و مع ذلك انهارت بسهولة مذهلة”… أنا الآن ابتسم مجدداً لأن هذه الإيحاءات شائعة رغم خطئها. ربما استعملتها عن غير قصد أو لأن “في مواضيع الدين والهوية تغلب العاطفة العقل”
PS: Je n’en peux plus d’ecrire avec yamli donc je continue en francais. Je suis curieux de connaitre la raison derriere ton choix de ce blog (vs. ton autre blog) pour ce sujet)
كنت اكتب مدونة عنوانها “قوة الرموز” ثم تركتها وكتبت هذه فعلاً بعد النقاش الذي ذكرته.
السلطة الجزائرية ممتازة في رمي هذا النوع من الخصام بين معاريضها من الجهتين حتى تقف هي في محل الحكم الحكيم الذي يحمي الدين من جهة والحريات من جهة أخرى. لذا الذكرى تنفع المؤمن وحتى الكافر.
من كلمة “شخصياً” وما بعدها كتبت عن رأيي. وحسب رأيي كل “عودة” فيها نوع من التخلف. أمة لا تنتظر من المستقبل إلا الرجوع إلى الماضي لا تنتظرها إلا خيبة الامل. أما أن يفتح القرآن في الحاضر ويقرأ بنظرة الحاضر فهذا ليس تخلف ولكن ليس بنظرة مشايخ عاشوا منذ قرون وهم أحسن منا لأنهم عاشوا عصرهم وابدعوا فيه. لدي سؤال بدوري : قلت “العودة للقرآن” ولم تقل العودة إلى “العودة للقرآن و السنة” هل قلتها عن وعي؟
أنا أتكهن أن وراء ابتسامتك مالك بنابي ومفهوم “قابلية الاستعمار”. نعم قبل الاستعمار كانت البلدان الاسلامية تحت حكم الشريعة سواء كان مفهومهم للشريعة خطأ أو صواب. ومن فضل الحركة الإصلاحية أن ارادت إعادة كتب التفسير والنظر في الشرع الاسلامي بعد أن أصبحت الامة الإسلامية كالرضيع الذي لا حول ولا قوة له أمام أمم ألمت بالعلم. وهم محمد عبده، الطاهر إبن عاشور، وحتى عبد الحميد إبن باديس وأظن أن مالك بنابي تأثر بتلك الحركة. لكنها لم تفلح في ذلك وبالعكس ولدت الاخوان المسلمين ثم حركات لا تزداد إلا تصلباً.
Plus j’écris ici et plus je préfère ce blog à l’autre… c’est aussi bête que ça.