العقيدة، الحرية وحرية العقيدة
جلس أبو فراس بين أربع حيطان يشكو آلامه لحمامة فوصلت كلماته إلينا رغم السنين والقرون. جسده محبوس لا يمكنه الحركة لكن عقله طليق يجوب الفضاء ويتحدى الزمان و الزوال بعد أن زال هو. تحرر أبو فراس بعقله رغم أنف جلاديه. هكذا عقل الانسان لا يعرف إلا الحدود التي يضعها هو لنفسه. فإن كان جسده مقيدا بإمكانياته الضعيفة فعقل الإنسان إن أراد، يستطيع أن يقفز فوق أي مانع ليستكشف ما وراءه. وإن إختار يستطيع أن يضع لنفسه بنفسه حواجز تضيق فضائه و تغلق افاقه.
ومن كانت له الشجاعة البسيكولوجية الكافية لكي يطلق العنان لفكره خارج القالب الذي تضعه فيه تربيته و يحصره فيه المجتمع الذي نشأ فيه، يكتشف وهو يجوب فضاء الحرية أن العقل “أكبر من أن يوضع بين أربع أفكار”. سفر الإنسان بعقله إلى المجهول و المحرم بحكم الدين أو العادة، ككل الأسفار، هو متعب ومخيف يبعد صاحبه عن دفئ القناعات الجماعية المصنوعة مسبقا، ويخرج بصاحبه إلى أماكن باردة مجهولة قيلت أنها خطيرة. فإن تغلب على رعبه يفتح عينيه ليشاهدها ويحكم هو عن وعي على خطورتها.
في الإنسان غريزة قوية تدفعه عن الإئتلاف بعشيرته لأن الجماعة وحدها هي التي توفر الأمن ولأن في الاختلاف مع الجماعة يكمن الخطر. تلك هي الغريزة الذي تجعل القطيع يتكتل حين تهاجمه الذئاب. ولكن للإنسان قدرة أخرى قوية وإن كانت نادرة هي قدرته على تعدي طبيعته بعقله. قدرة لا يملكها أي حيوان آخر. فلولا ذلك الإنسان الذي تغلب لأول مرة على خوفه الغريزي من النار فتقدم وحملها بيده لما سخرت لفائدته ولما كانت الإنسانية لتخرج إلى الحضارة. التوازن بين هاتين الغريزتين شيء ضروري لولا الأولى لاندثر المجتمع ولولا الثانية لتجمد وتحجر وتخلف.
تتقاسم الانسانية خاصية أخرى نابعة من العقل هي الاخرى وهي الوعي الذاتي التي تدفعه إلى البحث عن معاني للوجود والسعي إلى الكمال المنعدم في محيطه الواقعي. فتكون العقيدة بمثابة إحساس بوجود ما هو أكبر من الانسان . كيان أو مبدأ خفي يجعله المرء فوق كل شيء. ويجعل من إرضائه أو التواجب مع مبادئه المأرب السامي والغاية الكبرى. وهذا الإحساس الدفين القوي المتين ينفلت من ميدان البرهان والإستخدام لميكانيك المخ. لكن معظم الناس لهم عقيدة وراثية لم يفكروا ولو مرة في طبيعتها ولم يختاروها أبداً عن وعي. وإن لم يكن ذلك حال الأغلبية لما كان أبناء اليهود معظمهم يهود ومعظم أبناء المسلمين مسلمون.
في المجتمع التقليدي الذي لا زال يسود عند معظم الشعوب الاسلامية لا يوجد هنالك بتاتاً مجال للمرء للشك في العقيدة السائدة أو التفكير في إختيار آخر. رغم أن هنالك من بين العلماء المسلمين من أقروا حرية العقيدة إلا أن عامة الناس وعامة الأئمة لا يحتملون حتى فكرة الحرية في هذا المجال.وهذا الإنعدام في حرية العقيدة ليس فقط يؤدي إلى إنعدام في الحريات الأساسية بل هو يعني ضعف في العقيدة لأن الإيمان بشيء ليس من المقبول أن تؤمن بغيره لا يعتبر إيمان.
للمجتمعات الاسلامية أن تدرك طال الزمن أم قصر أن إنعدام حرية العقيدة لا يعني فقط إنعدام الحرية بل يعني فقدان العقيدة الحقيقية.
هل من خلال مقالك هذا أنت تشجع “المسلمين” على التفكر و التدبر في دينهم، خوفا عليهم؟ فأنا هنا أتفق معك. فذلك من دون أدنى شك سيعود بالفائدة العظيمة عليهم. و هو أولا و أخيرا أمر إلاهي. فالمسلم مأمور أن يفكر و يتدبر في الكون و في نفسه و أن يتعلم دينه لتقوية إيمانه و تصفية عقيدته.
و صحيح أن الدين تربية في البداية. فكما قال رسول الله، صلى الله عليه و سلم : “ما من مولود إلا يولد على الفطرة فأبواه يهودانه وينصرانه ويمجسانه “. و الفطرة كما فسرها العلماء هي الإسلام, أي أنه يولد و هو مفطور على التوحيد. توحيد الله سبحانه و تعالى.
لكنك تقول : “وإن لم يكن ذلك حال الأغلبية لما كان أبناء اليهود معظمهم يهود ومعظم أبناء المسلمين مسلمون.”. لم تذكر النصارى مع أنهم يعمدون أبناءهم منذ الأيام الأولى من ولادتهم و ذلك التعميد يجعلم نصارى رغم غياب العقيدة تماما. أما اليهود فهم يؤمنون بدين العرق. لست يهوديا إن لم تكن أمك يهودية. فبمجرد أنك يهوديا وفقا لهذا الشرط فلا ينظر لعقيدتك، أنت إذا يهودي. أما المسلم فعليه أولا أن يشهد بأن لا إله إلا الله و حده لا شريك له و أن محمدا عبده و رسوله و هو بالغ، عاقل، راشد. فبذلك إذا هو مسلم. و يتبع بعد تلك الشهادة بقية الأركان. يمكن أن يكون إيمانه ضعيف أو قوي أو متذبذب. فالإيمان يزيد و ينقص، لكن لا ينكر الإسلام على الشخص في هذه الأحوال. و مع هذا ف : ” المؤمن القوي خير وأحب الى الله من المؤمن الضعيف”، كما قال رسول الل، صلى الله عليه و سلم.
أم أنك تعاتب المسلمين الذين لم يستعملوا عقولهم للخروج بها من سجنهم الذي وضعتهم فيه ثقافة القطيع؟
قال سيدنا علي، رضي الله عنه و أرضاه : “لو كان الدين بالعقل (أو بالرأي) لكان أعلى الخف أولى بالمسح من أسفله”. فالدين أولا بالقلب : تصديق و تطبيق. مع أن الدين لا يمنع العقل بل بالعكس،ا كما قلت في البداية.
و لو كان العقل هو المقياس، كيف تفسر أن أناسا مثل Cat Stevens (لأنك قط مثله) يأخذون الإتجاه المعاكس، و يستعملون عقولهم للخروج من سجن العقل المجرد و الشهوة المطلقة إلى ساحة الإييمان اللا متناهية الحدود؟
أم أن عقلك أكبر من عقله؟ فعلى عقل من نعتمد هنا؟
تصحيح : “الشهوة المطلقة” ب “اللذة المطلقة”.
من خلال مقالي أنا لا أشجع ولا أعاتب أو أوبخ، أنا أعبر عن رأي، تجربة وقراءات فقط. إحترامي لمقدرة الناس العقلية تجعلني أثق في قدرتهم على القراءة والانتقاد.
أنا ليس لي علم بأي دراسة علمية تقر أن الانسان يقوم على فطرة توحيدية.
أما عن أبناء اليهود والمسلمين فلا تقفي عند المثالين. إذا كانت R مجموعة الديانات فمهما يكن d عنصر من R فمعظم ابناء المتدينين ب- d يتدينون بدورهم ب-d. احذفي المثالين وعوضيهم بالجملة السابقة.
أما عن البرهان ب-CAT STEVENS فما إلا برهان عن وجود حرية العقيدة في أراضي الكفار جعلت من مغنيهم من يعتنق البوذية (الغالبية) ومنهم من يلحد ومنهم من يمجد الكاثوليكية إلخ…
أما عن سؤالك الأخير الذي يشير على أنك لم تفهمي موضوع هذا المقال :
فمن أول كلمة إلى آخر كلمة من المقال القصد هو : اعتمدي على عقلك انت.
فهمت من عنوان المقال أنك تناشد بحرية التفكير و حرية اختيار الدين. فهمت هذا. لكنك من خلال مقالك “تمجد” العقل وحده. و تقول أيضا : “في المجتمع التقليدي الذي لا زال يسود عند معظم الشعوب الاسلامية لا يوجد هنالك بتاتاً مجال للمرء للشك في العقيدة السائدة أو التفكير في إختيار آخر” و كأنك تعني أنه لو أطلق العنان للعقل كي يفكر بكل حرية لاختار الخروج عن الدين و عن القالب الاجتماعي الضيق. فأردت أن أذكر لك مثلا عقل فكر بكل حرية (Cat Stevens) فاختار الخروج من “ألوهية” العقل إلى عبودية الله.
و تقول : “أنا ليس لي علم بأي دراسة علمية تقر أن الانسان يقوم على فطرة توحيدية.”. من قال أن كل شيء يفسر بالعلم؟ هناك مواضيع كثيرة تهم البشرية لم يوجد لها تفسير علمي لحد الآن رغم كا الأبحاث و المجهودات.
و أنا كتبت في تعليقي السابق أن الدين ليس بالعقل مع أنه (الإسلام) لا يتناقض مع العقل. بمعنى أنه لا يمنع العقل من التفكر و التدبر. لكن هناك أمور كثيرة متعلقة بالدين علينا أن نصدقها و نطبقها بما أننا أعلننا إسلامنا. فالمسلم و لأنه مسلم يصدق و يطبق. فليس علينا أن نبحث في كل شيء عن البرهان العلمي حتى نؤمن. فالدين أولا أو أساسا بالقلب.
و الإيمان بالغيب من أصول الإيمان.
فعلاً أنا أمجد العقل في نصف المقال. كما شرح the matrix، بالعقل من المكن للمرء أن يؤمن أو يلحد. وهذه هي الحرية المنعدمة في مجتمعاتنا. ولا يعني إيمان الانسان أنه تخلى عن عقله. يتخلى أو ينفي الإنسان العقل إن هو حبس عقله داخل فكرة لا يتقبل ولو لوهلة أن تكون أفكار خارجها.
لا أعتقد أن نتيجة مقدمتك يجب أن تنحصر على المسلمين، لأن أي إنسان لديه قناعات غالبا خاطئة اكتسبها من محيطه خاصة في الصغر، و هذا ينطبق على كل إنسان ملحدا كان أو موحد.
كما أنني لا أوافقك قولك أن جسد الإنسان ومكان تواجده لا يعيق سفره الفكري، أنا أعتقد أن ركود المجتمعات الإسلامية راجع لعدم اختلاطهم بأجناس أخرى قد تبين إختلاف معتقداتهم (ليس فقط عقائدهم )، فكما تعلم، الأفكار تترسخ بالفعل و الملاحظة و ليس بالقول.
أنا لم أتكلم على المسلمين إلا في الفقرتين الأخيرتين. كل ما فوق هاتين الفقرتين ينطبق على البشرية جمعاء.
لكن هنالك فرق في الدرجات. فالمجتمعات الاسلامية رغم حصولها على التكنولوجيا لا زالت تعيش فكرياً في عهود قديمة.
كما لا تفهم من مثال أبو فراس انني أمجد سجن الجسد مقابل تحرير العقل. ارادت أن أقول فقط أن سجن جسد الرجل لم يسجن عقله معه.
أما عن ركود المجتمعات الإسلامية فأنا أشاطرك الرأي جزئياً في أنه يعود إلى عدم اختلاطهم بالأخرين لكن ليس فقط لذلك السبب. من الممكن أن الاختلاط بأجناس أخرى سيسرع في التغيير ولكن أحياناً يكون سبباً في الإنكماش. اختلطت الجزائر بفرنسا على نمط الاستعمار أكثر من قرن ولم يتغير المجتمع كما تغيير بعد الإستقلال خلال خمسون سنة.
إختلاط الجزائر بفرنسا؟ هذا تصادم وليس إختلاط، الاختلاط هو التعايش و ليس عكس ذلك
فعلاً. لكن رغم ذلك لو قرأت ما كان يكتبه الأمير عبد القادر عن إدخال الحضارة إلى الجزائر وهو في نفس الوقت يحارب الإستعمار ترى أنه كان من الممكن أن يشكل ذلك التصادم فرصة إيجابية للشعب الجزائري . لكن كان هدف الاستعمار النهب والسلب وتدمير المجتمع القائم آنذاك لا غير فخلق رد فعل دفاعي طبيعي أدى الى انكماش المجتمع حول تقاليده الإيجابية منها أو السلبية.
إن أبو العلاء الذي بعد أن حُبسَ بصره أطلق العنان لعقله وحرره من كل قيد (قد نختلف أو نتفق مع هذا النهج) . حلق علياً فشاهد ببصيرته ما لم يره المبصرون بعيونهم. إنبهر البعض بشعره، ونبذ البعض أفكاره، قيل فيه أنه دخل في لزوم ما لا يلزم، لكن لم يمنع ذلك -كما قلت – من أن تصلنا أشعاره ،فلسفته و فكره. ساذكر بيتين يصبان في نفس سياق التدوينه :
وينشأ ناشئ الفتيان منا…على ما كان عوّده أبوه
وما دام الفتى بحجى ولكن… يـعلمه التدين أقربوه
في غالب الاحيان عندما نذكر كلمة الدكتاتورية، أول صورة ذهنية تتكون في “العقول” هي لاحد الجبارين الذين حكمو الناس بالحديد والنار. لكننا ننسى أو نتناسى أحناً كثيرة أولائك الذين نصبو أنفسهم أولياء على الناس فاستعبدوهم بعد أن ولدتهم أمهاتهم احراراً، ثم قالو لهم لا نريكم إلا ما نرى معطين تفسيراً واحداً للدين لا غير. رأيهم لا يناقش ولا يجادل والويل كل الويل لمن يجرؤ على مخالفتهم أو إبدأ رأي آخر ناهيك عن التشكيك في شيء ما.
هؤلاء ملؤو الشاشات ليقولوا للناس أن الذين جاء ليرتقي بالانسان عن الحيوانية، لكن في الوقت نفسه يدعونهم لعدم إستعمال ما يتميز به أصلاً عن هذا الحيوان ألا وهو عقله…يقبلون أن “حي إبن يقظان” وصل بعقله إلى إدراك وجود الله فيمجدون هنا العقل، وينكرونه تارةً أخرى عندما يتعلق الامر بالتفسير المادي للكون عند ستفن هوكنغ على سبيل الذكر لا الحصر !!!!
مشكلة العقل والايمان مشكلة منطقية وفلسفية بالدرجة الأولى، فمن الفلاسفة من يعتمد على العقل نفسه لإثبات الإيمان كالفيلسوف “كانط”، ومنهم من يتخد نفس المنهج للوصول إلى الإلحاد ك”نتشز” مثلاً.
في الأخر يمكن للانسان أن يكن مؤمناً ايمانا عميقاً لا شك فيه، وفي الوقت ذاته عقلياً إلا أبعد الحدود، يتجسد هذا إلا حد ما في الفيلسوف الباكستاني “محمد إقبال”
أما عن قولك “للمجتمعات الاسلامية أن تدرك طال الزمن أم قصر أن إنعدام حرية العقيدة لا يعني فقط إنعدام الحرية بل يعني فقدان العقيدة الحقيقية.”
أنا متفق معك، فهو لا يعني فقدان العقيدة الحقيقية فحسم، بل المزيد من التقهقر، التخلف وقتل الابداع …
ملحوظة: كنت من قبل ذكرت جانباً من سبب أخدي هذا الإسم المستعار “المصفوفة” (The Matrix)، اليوم هذه التدوينة لها علاقة بجانب أخر …إليك جزء بسيط :
نيو : أنا أعرف ما تحاول القيام به.
مورفيوس : أريد أن أحرر عقلك، نيو. ولكني استطيع فقط أن اريك الباب، أنت الوحيد الذي يمكنك أن تدخله. تانك، حمل برنامج القفز.
وأنا اكتب مقدمة المدونة كان في ذهني كتاب طه حسين عن ابي العلاء.
أما عن الدكتاتورية فما هي حقاً إلا نتيجة لتصورات مجتمعاتنا للعالم وحراسها الذين ذكرتهم. فهيهات ما بين تلك التصورات التي أكل الدهر عليها وشرب والعمق الفلسفي لقصة حي إبن يقظان.
النظرة الفلسفية العقلية للدين حتمية لا مناص منها. ذكرت محمد إقبال وهو من بين المفكرين المسلمين الذين صاغوا فكراً متماسكاً وعقلياً عن الدين الاسلامي. يعجبني كثيراً تفسيره لمعنى ختام النبوة. يقول أن بإعلانه عن نهاية النبوات يعلن الإسلام عن نهاية زمن المعجزات و عن بداية زمن الإنسان وعقله.
لي مسودة مدونة في هذا الموضوع بالذات عن الابداع الذي كان في زمن إزدهار الدول الاسلامية الأولى وانطفأ لأسباب داخلية بحتة.
جميل حوار مرفيوس ونيو.
لكن لم تقل أيضا أن للعقل حدود و للفهم الإنساني حدود لا يمكن له أن يتجاوزها. فرغم العقل و رغم الفكر و رغم البحث و رغم العلم لم يستطع الإنسان أن يجيب على كل الأسئلة . فتبقى الأجوبة مجرد محاولات إجابة مرتبطة بعقل هذا أو ذاك. و هنا الخطر : فلو أسسنا أن للعقل مطلق الحرية لوجدت كل واحد منا له عقيدته الخاصة به الناجمة عن عقله و فكره الخاص به. لن يكون إذا دين يجتمع عليه و حوله الناس فتكون أديان بعدد سكان الأرض. الدين له أسس و ضوابط لمنع هذا الانفلات…
من نعمة الحياة أن لم يستطع ولن يستطيع الإنسان أن يجيب على كل الاسئلة وإلا زال للحياة طعمها. ومن يظن أنه يملك الأجوبة ركد وتحجر.
لا يوجد مجتمع على وجه الأرض لا يملك قوانين جماعية سواء كانت قوانين دينية أو وضعية. يعني ذلك أن الإنسان أقر ضرورة القوانين الجماعية بحكم غريزته أو عقله لا أدري لكنه أقر بذلك في جميع أنحاء العالم رغم إختلاف العقائد.
من يحكم عقله يملك ميزة على من يحكم قوانين قال أنها سماوية غير قابلة للتغيير. لماذا؟ لو كنت تملكين فكرة نابعة من حكم ديني وكانت تلك الفكرة عبقرية تجعلك تعيشي في نعيم، فصاحب العقل وإن كان لا يشاركك العقيدة سيأخذ بتلك الفكرة بإستعمال عقله. لكن العكس غير صحيح. من حكم قوانين غير قابلة للنقاش مهما كان الأمر فهو سجين تلك الأحكام إلى الأبد ولو رأى بعقله أنها مضرة فسوف ينفي ضررها أو يستنتج أن فيها حكمة إلهية فوق قدرته العقلية.
العقل هو الأداة الوحيدة التي يملكها الإنسان.
إذا كان “صاحب العقل” يريد أن يأخذ مما عند الآخرين فهو حر، لما لا؟
أما عما كتبت : “من حكم قوانين غير قابلة للنقاش مهما كان الأمر فهو سجين تلك الأحكام إلى الأبد ولو رأى بعقله أنها مضرة فسوف ينفي ضررها أو يستنتج أن فيها حكمة إلهية فوق قدرته العقلية.”
لأا أدري ماذا تعني بالضرر وبالمنفعة ؟
“العقل هو الأداة الوحيدة التي يملكها الإنسان.” : عليه إذا أن لا يصبح ملكا هو لها… فكما كتبت : “يعني ذلك أن الإنسان أقر ضرورة القوانين الجماعية” القوانين الجماعية ضرورية و الحرية المطلقة وهم بما أن على كل واحد منا أن يتوقف عند حرية الآخرين. و هذا هو الحد الذي لا يمكن تجاوزه في أي مجتمع كان : متدين أم غير متدين. أما الحرية الشخصية التي يمارسها الشخص مع نفسه في محيطه الخاص، لا أظن أن أحدا يمكن له أن يتدخل فيه بما أنه مع نفسه…
بالضبط، صاحب العقل حر ينتج يفكر يأخذ ما يشاء و يترك ما يشاء.
حسب قاموس وجدته على الشبكة :
ضرر : مَضَرَّة:
ج مَضَرَّات ومَضَارُّ: ضَرَر، أذى، ما يَلحق بالإنسان من ضيقٍ أو مرضٍ، عكس منفعة “مضارُّ الحرب-.
نفع : مَنْفَعة:
ج منافِعُ:
ما فيه الخير والصّالح والفائدة، كلّ ما يُنتفع به “جنَى من عملِه منفعةً كبُرى- منفعة عامة: ما كانت فوائده مشتركةً بين الناس وتُصرِّح السُّلطاتُ بإمكانيّة توفيرها للشّعب- منافعُ العلم/ السِّلم-ا.
• مذهب المَنْفَعة: (الفلسفة والتصوُّف) النظريّة الأخلاقيَّة التي تقول: إنّ كلّ الأفعال يجب أن توجّه نحو إحراز القدر الأكبر من السعادة لأكبر عدد من الناس.
حرية التفكير والعقيدة مطلقة وحرية التعبير التي لا تقذف الآخرين كذلك مطلقة. لا تلك ولا الاخرى موجودة عند المجتمعات الاسلامية.
“حرية التفكير والعقيدة مطلقة وحرية التعبير التي لا تقذف الآخرين كذلك مطلقة. لا تلك ولا الاخرى موجودة عند المجتمعات الاسلامية.”
أنها ليست موجودة في المجتمعات الإسلامية كما تقول لا يعني ذلك أنها ليست لها أساس في الإسلام.
لأن الإسلام يعترف كل الاعتراف بحرية العقيدة.فالإنسان مخير أولا و قبل كل شيء.
كما تعلنه الآية 256 من سورة البقرة “لا إكراه في الدين”
و الآية 29 من سورة الكهف “و قل الحق من ربكم فمن شاء فليؤمن و من شاء فليكفر”.
لكن بعد الإسلام، أي بعد أن يسلم العبد أمره كله إلى الله سبحانه و تعالى، و يعلن إسلامه، ليس له الحق بعد ذلك أن يقول آخذ من هذا و أترك هذا. فقد هدد الله سبحانه و تعالى من يفعل ذلك في الآية 85 من سورة البقرة : “أفتؤمنون ببعض الكتاب و تكفرون ببعض”.
حرية العقيدة تكمن في اختيار العقيدة، أو اختيار الكفر أو الإيمان، لكن بعد الإسلام، لا. و إلا فهو تلاعب بالدين أوكما تقول الآية 43 من سورة الفرقان : “أرءيت من اتخذ إلهه هواه”.
يصبح “الهوى” هو الحاكم. و يصبح الكل يرى أن هذا أصلح من هذا أو العكس…
و أما عن “الضرر و المنفعة” فكنت أسأل عن مثال لتلك المضرة التي س :”ينفي ضررها أو يستنتج أن فيها حكمة إلهية فوق قدرته العقلية”. صحيح أن حكمة الأشياء أو الأحكام (في الإسلام) قد لا تكون واضحة أو معلومة أو مفهومة و بالتأكيد أن الحكمة الإلاهية فوق قدرة الإنسان العقلية. لكن لا أظن أن الإسلام يتعارض مع المنفعة أويسبب الضرر و هو مبني على قاعدة “جلب المصالح و درء المفاسد”.